لتونس في وجداني مكانة خاصة.
زرتها في صيف العام 92 ومكثت فيها 49 يوماً ظللت لسنوات أستعيدها يوماً يوماً، ومكاناً مكاناً، ووجهاً وجهاً. مصابة أنا بالحنين، ولا أمل في شفائي.
قصدتها بحجة التدريب التقني، وعدت منها بجعبةٍ مليئة بالذكريات والأصحاب، وبتقريرٍ فني فقير المحتوى وضعني في موقف حرج أمام لجنة التقييم في كليتي، لأن شبيبة مكتب التبادل الطلابي هناك لم يدعوا لنا مجالاً لنعمل. لو كان مطلوباً مني أن أعد دليلاً سياحياً عن تونس لكنت أبدعت ونلت مرتبة الشرف. كان الشباب والشابات السمر يقتحمون علينا أماكن التدريب ويجروننا إلى أي مكان خارج أسوار الجامعة، وكنا نطاوعهم بطيب خاطر. رحلات إلى مختلف المدن التونسية، سوسة، صفاقس، جربة، الحمامات، قفصة، طبرقة، ومدن أخرى لم أعد أذكر اسمها. دعوات إلى أفراح وسهرات شبه يومية ونزهات لا تنتهي، جعلت من الهدف الذي جئت أساساً من أجله يبدو باهتاً ومملاً. تدريب؟ who cares؟
أذكر أن السياسة كانت تأخذ حيزاً من مناقشاتنا مع الزملاء التونسيين والأجانب الذين شاركوا في البرنامج، ولبنان الخارج لتوه من آخر معارك الحرب الأهلية الأخيرة - حتى إشعار آخر- لبنان مرسيل خليفة وجوليا بطرس وماجدة الرومي وحتى بمطربيه من الدرجة الثانية والثالثة نجوم مهرجانات قرطاج، لبنان بأزماته وتعقيداته، كان حاضراً بقوة طاغية قياساً إلى تونس وما بدا يومها استقراراً وانتعاشاً اقتصادياً يعم البلاد.
عدت من تونس كاملةً وناقصة، كاملةً بالبهجة التي ستسكن قلبي بعدها لفترة طويلة، وناقصة لأن جزءاً مني بقي هناك ولم أسترده قط.
نحن شعوب تحب التبسيط والتعميم والأحكام المسبقة. أذكر أنهم حذروني قبل سفري، التونسيون بصباصون، ويتحرشون ويلطشون. بصراحة، تعرضنا أنا ومن أصبحت بعد هذه التجربة صديقتي لمواقف بعضها بريء ومضحك، وبعضها مربك لدرجة الأذى. التونسيون يعشقون الرقص، إيه والله، كانوا يتمايلون طرباً ومرسيل يغني "أمي". الكثيرون منهم يصومون ويصلون ويسكرون ويساكنون.. التونسيون كذا وكذا، وكيت وكيت.. التونسيون لا يختلفون عن الشعوب العربية راضون ببن علي رئيساً لهم لمدى العمر، ويتشاطرون بالكلام والسخرية على زوجته "الحجامة" التي تحكم البلد. خطأ!
تونس اليوم تتصدر عناوين الأخبار، وعليّ أن أقرأ الكثير لأفهم كيف جرى ما جرى وكيف تمكنت جثة محترقة في مكانٍ بعيد من قرية لم يسمع بها أحد أن تصنع أولى الثورات العربية في قرننا الحالي، وآمل أن لا تكون آخرها.
تونس، غافلت الشعوب العربية وحكامهم المذهولين وفعلتها. إلى أين ستقود هذه الثورة؟ من المبكر الجزم، لكن الأكيد أن حجراً ما، بل نيزكاً مباركاً، سقط في المياه الراكدة وصنع الأمل.
**
زرتها في صيف العام 92 ومكثت فيها 49 يوماً ظللت لسنوات أستعيدها يوماً يوماً، ومكاناً مكاناً، ووجهاً وجهاً. مصابة أنا بالحنين، ولا أمل في شفائي.
قصدتها بحجة التدريب التقني، وعدت منها بجعبةٍ مليئة بالذكريات والأصحاب، وبتقريرٍ فني فقير المحتوى وضعني في موقف حرج أمام لجنة التقييم في كليتي، لأن شبيبة مكتب التبادل الطلابي هناك لم يدعوا لنا مجالاً لنعمل. لو كان مطلوباً مني أن أعد دليلاً سياحياً عن تونس لكنت أبدعت ونلت مرتبة الشرف. كان الشباب والشابات السمر يقتحمون علينا أماكن التدريب ويجروننا إلى أي مكان خارج أسوار الجامعة، وكنا نطاوعهم بطيب خاطر. رحلات إلى مختلف المدن التونسية، سوسة، صفاقس، جربة، الحمامات، قفصة، طبرقة، ومدن أخرى لم أعد أذكر اسمها. دعوات إلى أفراح وسهرات شبه يومية ونزهات لا تنتهي، جعلت من الهدف الذي جئت أساساً من أجله يبدو باهتاً ومملاً. تدريب؟ who cares؟
أذكر أن السياسة كانت تأخذ حيزاً من مناقشاتنا مع الزملاء التونسيين والأجانب الذين شاركوا في البرنامج، ولبنان الخارج لتوه من آخر معارك الحرب الأهلية الأخيرة - حتى إشعار آخر- لبنان مرسيل خليفة وجوليا بطرس وماجدة الرومي وحتى بمطربيه من الدرجة الثانية والثالثة نجوم مهرجانات قرطاج، لبنان بأزماته وتعقيداته، كان حاضراً بقوة طاغية قياساً إلى تونس وما بدا يومها استقراراً وانتعاشاً اقتصادياً يعم البلاد.
عدت من تونس كاملةً وناقصة، كاملةً بالبهجة التي ستسكن قلبي بعدها لفترة طويلة، وناقصة لأن جزءاً مني بقي هناك ولم أسترده قط.
نحن شعوب تحب التبسيط والتعميم والأحكام المسبقة. أذكر أنهم حذروني قبل سفري، التونسيون بصباصون، ويتحرشون ويلطشون. بصراحة، تعرضنا أنا ومن أصبحت بعد هذه التجربة صديقتي لمواقف بعضها بريء ومضحك، وبعضها مربك لدرجة الأذى. التونسيون يعشقون الرقص، إيه والله، كانوا يتمايلون طرباً ومرسيل يغني "أمي". الكثيرون منهم يصومون ويصلون ويسكرون ويساكنون.. التونسيون كذا وكذا، وكيت وكيت.. التونسيون لا يختلفون عن الشعوب العربية راضون ببن علي رئيساً لهم لمدى العمر، ويتشاطرون بالكلام والسخرية على زوجته "الحجامة" التي تحكم البلد. خطأ!
تونس اليوم تتصدر عناوين الأخبار، وعليّ أن أقرأ الكثير لأفهم كيف جرى ما جرى وكيف تمكنت جثة محترقة في مكانٍ بعيد من قرية لم يسمع بها أحد أن تصنع أولى الثورات العربية في قرننا الحالي، وآمل أن لا تكون آخرها.
تونس، غافلت الشعوب العربية وحكامهم المذهولين وفعلتها. إلى أين ستقود هذه الثورة؟ من المبكر الجزم، لكن الأكيد أن حجراً ما، بل نيزكاً مباركاً، سقط في المياه الراكدة وصنع الأمل.
**
لتونس في وجداني مكانة خاصة نابعة من تجربة شخصية جداً ولا علاقة لها بما يحدث الآن. لكنني بعد اليوم، حين سأتذكر- أنا المريضة بالحنين- شوارع المدينة ومقاهيها وبقالة "فردوس عبد الحميد" القريبة من مكان كنا نزوره دائماً وباعة الشاي الأخضر وعقود الياسمين هناك في سيدي بو سعيد، سأتخيل أيضاً جسداً محترقاً لشابٍ اسمه محمد بو عزيزي كان ما زال طفلاً صغيراً حين وقعتُ ذات صيف في حب هذه المدينة

4 comments:
سلام الله على تونس الحرة..
سلام الله على ابن تلك الأرض التي حررتها روحه النقية.. بوعزيزي أيها البطل في زمن الجبن والخنوع..الجنة موعدك ومنزلة الشهداء بإذن الله ..
مها
لكنني بعد اليوم، حين سأتذكر- أنا المريضة بالحنين- شوارع المدينة ومقاهيها وبقالة "فردوس عبد الحميد" القريبة من مكان كنا نزوره دائماً وباعة الشاي الأخضر وعقود الياسمين هناك في سيدي بو سعيد، سأتخيل أيضاً جسداً محترقاً لشابٍ اسمه محمد بو عزيزي كان طفلاً صغيراً حين وقعتُ ذات صيف في حب هذه المدينة..
لا .. لم يحترق
هو فقط أضاء الطريق
العزيزة مها
لا أدري إن كان يعرف ماذا سيفعل اشتعال جسده. أظن أنه فكر، إن لم يحرك جسده المحترق شيئاً ما، فالدنيا لا تستحق الحياة في كل حال. والحقيقة أنهم لم يخذلوه.
رحمه الله.
تسنيم
محمد أضاء بداية الطريق، وعلى شعبه أن يكمل ما بدأه دون أن يضيع الطريق..
دمت بخير
إرسال تعليق