الأربعاء، مارس 16، 2011

فتيات البنزين

لم أرتح لمشهد فتيات من مدينتي ينتظرن وقوفاً أمام ماكينات ضخ البنزين بانتظار الزبائن ليملأن لهم خزانات وقود سياراتهم. مؤذٍ في نظري المشهد الذي قد يبرّره البعض بالأزمة الاقتصادية وبضيق مجالات العمل
أصرّ مع ذلك على أنني لا أفهم مغزى الاستعانة بهن حين يكون هناك الآلاف من الشبان العاطلين عن العمل المستميتين للقيام بمثل هذه الوظيفة.
صبايا على شرفات الشوارع، أمام خزانات محطة الوقود الجديدة بملابس مهنية رصينة تشبه في قصّتها وألوانها ملابس زملائهن الشبان- ينتظرن، يتثاءبن، يضجرن، يبتسمن بحرج، يتعبن من الوقوف فترات طويلة حتى تأتي الزبونة أو الزبون.
ليس استهجاني نابعاً فقط من سذاجةٍ لديّ مقرونة بقدرٍ غير قليل من العقلية التقليدية، ما زالت تتفاجأ وترتبك أمام حجم أو نوع التغيّرات التي تجتاح مجتمعاتنا، اجتماعية واقتصادية وتقنية وعمرانية...، تغيّرات جعلت الأوضاع الاقتصادية عسيرة، والبطالة راخية بظلالها الثقيلة لدرجة أن يقبل أبٌ امتهانَ ابنتهِ وظيفة عاملة خدمة في محطة.
ما أزعجني تحديداً في الأمر ليس كون الفتيات يقمن بخدمة الزبائن، فكل الوظائف هي في واقع الأمر خدمات يؤديها الناس لبعضهم البعض، سواء كانوا رؤساء جمهورية أم وزراء أم أطباء أم سائقين أم ميكانيكيين أم عمال بلدية أم معلمين أم ممرضين أم خدماً في البيوت أم مهندسين... إلى آخر اللائحة.
ما أزعجني هو هذه العمومية في الصورة، هو انكشاف الفتاة المتواصل لعيون المارة غير المعتادين بعد على هذا المشهد، خصوصاً في مدينةِ صغيرة هي أقرب إلى البلدة، أن لا يحمي الفتاة هيكل مكون من جدران مكتب أو متجر أو مؤسسة أو مقصورة سيارة أو حتى كشك خشبي، لا سيّما في ظل إصرارٍ استنتجته لدى أصحاب المحطة "السباقة" إلى هذه الخطوة على بقاء الفتيات واقفاتٍ طوال الوقت أمام خزانات الوقود، رغم تصريحٍ قرأته مؤخراً لإحدى شركات التوظيف التي أطلقت هذه البادرة يؤكد أن استخدام الفتيات في هذه الوظيفة لا يهدف بأي شكل من الأشكال إلى اجتذاب الزبائن.

أعلم أننا بعد فترة سنعتاد المشهد، كما اعتدنا مشهد الفتيات يعملن نادلات في المطاعم والمقاهي، أو سائقات لحافلات، أو ميكانيكيات، بعدما كانت هذه الوظائف حتى فترة ليست ببعيدة قاصرةً على الذكور.

لكنني، ورغم أنني أمر يومياً مرتين على الأقل أمام هذه المحطة القريبة جداً من منزلي، إلا أنني ما زلت أقصد تلك المحطة التي في أقصى الحيّ حيث يستقبلني إما الشاب المصري الظريف الذي، وهو ينتظر امتلاء خزان الوقود، يمسح لي زجاج الواجهة الأمامية ويطمئن على مستوى الماء في الموتور قبل أن يودعني بتحيةٍ يودعها في أمانتي إلى "السيد الوالد"، أو الشاب اللبناني ذو الملامح الجدّية الذي يتحرك بلامبالاةٍ مدروسة.

أما فتيات البنزين، فلن أكون زبونتهنّ- حتى إشعارٍ آخر.

4 comments:

Yasser_best يقول...

يزودن العابرين بالوقود، ليتحول المشهد إلى أعواد ثقاب تنتظر الاشتعال

يا لمكر أصحاب المحطة!

Ghida يقول...

ياسر

نحن محاطون بأعواد الثقاب الهشة، في الشارع والعمل وحتى في بيوتنا

مودتي

http://hayth.ba7r.org يقول...

مرحبــًا

لك ِ ايها الفاضل (ة) ورده
... ودعوه الي هذا الوطن المتواضع
منتدي للحوار والعلوم والأدب والثقافه والكتب والأبحاث
شارك........فكر ثقافه معرفه كتاب

من هنا الطريق .. أعبر(ى )الينا
http://hayth.ba7r.org/profile.forum?mode=register



الصفحه الرئيسية
http://hayth.ba7r.org
ننتظرك
..........

http://hayth.ba7r.org يقول...

مرحبــًا

لك ِ ايها الفاضل (ة) ورده
... ودعوه الي هذا الوطن المتواضع
منتدي للحوار والعلوم والأدب والثقافه والكتب والأبحاث
شارك........فكر ثقافه معرفه كتاب

من هنا الطريق .. أعبر(ى )الينا
http://hayth.ba7r.org/profile.forum?mode=register



الصفحه الرئيسية
http://hayth.ba7r.org
ننتظرك
..........