وأحب رمضان لأنه حبال من الذكريات لا تنقطع، تمتدّ بين مآذن المساجد وهوائيات التلفزيون القديمة تتمايل مع نسيم صيفي شحيح على سطوح منازلنا الأولى.
بين الله أكبر يتغنى بها صوت شيخ المسجد الجميل، أو صوت جدي الشيخ المعمم الذي لم يدرس المشيخة، حين تسلل يوماً إلى أعلى المئذنة ليصيح بالأذان -بصوته المحرِج- لأن إمام المسجد تأخّر، وبين فوازير نيللي/جاهين/عبد الحميد بالأبيض والأسود قبل أن تشتعل بفرحة ألوان تلفزيون غرونديغ الحديث
بين قصة النبي يوسف التي كنا لا نمل من سماعها يرشونا بها أبي لكي ننام، وأذاننا المتربصة لأقل صوتٍ قادمٍ من غرفة الجلوس المسحورة التي تحتضن جدرانها ظلال مشاهد "زينب والعرش" و"الضباب" و"الشهد والدموع"
بين ملل ساعات النهار الطويلة الجافة حين لا نجد ما نفعله سوى مراجعة الدروس أو قراءة القصص أو لعب الورق بانتظار المساء، وحلاوة صوت ياسمين الخيام فقط وهي ترتل مقدمة "محمد رسول الله" بمتتالياته السنوية
بين جوع ساعات النهارات الطويلة وروائح القرع المحشي. أذكر تحديداً تلك الرائحة ولا أذكر ألذّ منها.
*******
أحب رمضان.. كنت وما زلت، حتى وأنا أرى رمضان يتغير، كما كل شيء.
وبإصرار، أصنع القطايف في المنزل، فقط في رمضان.. لا قطايف خارج رمضان، فتلك خيانة، وأستعيد عادة السحور الذي كنا ننزعج منه صغاراً، الذي كنا نزدرده مكرهين، مغمضي الأعين، أستعيدها بقدرٍ من الجدية والمسؤولية وأنا أوقظ الولدين برفق لأسقيهما الماء وأحاول إقناعهما بتناول ما يعينهما على تحمل الجوع والعطش القادمين، فيستجيبان.. احياناً
رمضان هذا يجعل الأشياء من حولي تكتسي بغلالةٍ لطيفة، فلا أعود أكره من أكرههم عادةً، لا أصير أحبهم، لكنني فقط لا أعود قادرةً على كراهيتهم.
رمضان هذا يجعلني أستعيد دموعي في حضرة الصلاة، ولا أعرف من أين يأتي كل هذا البكاء. من كثرة خطاياي؟ وأنا التي ظننت أنني كفرت عن معظمها! أغرق في البكاء كاسفنجة لا أعرف من أين يأتيها البلل..
ورغم كل شيء، أنجح بشكلٍ ما في صنع رمضانٍ خاص بي، بشعائره الدافئة، ببساطته وغموض أسراره، ألتقط لحظاته المتلاشية وأستنهض ما تبقى لديّ من شجاعة واستسلام، من قلقٍ وطمأنينة وتمرّد واستكانة، ومن شكّ - جميل- لأنه لا يقودني إلا إلى حلاوة يقينٍ لا تنقطع أسبابه

4 comments:
ذكريات جميلة جداً أنا ما ذلت أذكر أيام رمضان حين كنا نرجع مسرعين من المدرسة مشياً تحت ثلوج كوانين لنشاهد فوازير نبللي و شريهان... ما زلت أذكر عماتي و الصوف و الموقد القديم و كأنهه البارحة الصورة في رأسي مؤلمه, فرحة و حزينة.
أحاول المضي قدماً و أواكب الزمن المسرع و لكن دون جدوى أريد العودة للزمن الجمبل ألى زمن الفقر المسالم و الوحدة العذبةالي قريتي البعيدة التي تسري في شرايين أحلامي.
أنا أأبى أن أكبر و أحتقر الحاضر لأنه كاللّص يسلبنا كياننا و يسرقنا شيءَ فشيءّ و لا يبقى لنا سوى ذكرياتنا و شظايا أحلامنا البنفسجية.
أيام غابرة مثلنا نحن!
مع آخر سويعات قبل أن تدق الساعة 12
وتعلن عن بداية يوم جديد ورمضان جديد، وجدت أختي تخبرني وقد وجهت اصبعها إلى رأس أنفها: أنا أشم رمضان.
دمتِ ببهجة :)
شربل،،،
لا عودة بالزمن إلى الوراء، ولكن لا بأس في قليل من الحنين الذي يجعلنا نحمد الله على أننا عشنا لنتذكر.
إيثار،،،
أنا أشم رمضان، أحببت كثيراً.. وسأستعيرها منك لو سمحتِ.
مودتي
السفن تنعم بالأمان في الموانيء ، لكنها لم تصنع من أجل ذلك ..!
(جريس هوبر)
إرسال تعليق